قضايا إيمانية وأخلاقية بين القرآن والكتاب المقدس: (2) القضاء والقدر

إعداد فريق التحرير

إن المفهوم المسيحى للقضاء والقدر يشوبه بعض الغموض فبالبحث عن مدى إيمان المسيحيين بهذا المعتقد وجدنا تضاربا فى الآراء فمن رافض لوجود هذا الاعتقاد كلية ومعتقد لعدم وجوده فى الكتاب المقدس ومن مفرق بين الإيمان بالقضاء والقدر فأثبت الإيمان بالأول ورفض الثانى!

فهذا الأب ميخائيل مينا يقول: “أما القدر هو مبلغ الشئ أو إيجاده على قدر مخصوص أى تقدير الشئ من غير إفراط أو تقليل. بمعنى إنه سيجازى شخص على فعل شئ بمقدار متساوى مع هذا الشئ فإن فعل شئ سيئ سيجازى بالسيئ وإن فعل حسناً سيجازى بالحسن. وهذا الفكر غير موجود بالمسيحية بل وإنما مأخوذ من العبادات الوثنية حيث يعتقدون فى ألهتهم إنها تقدر لهم أعمال معينة أو مصائب أو خيرات, فى المسيحية القضاء موجود فهنالك نوعان أحدهم قضاء الله الجبرى وهو على الأشياء مثلاً فالاجرام السماوية لها مسارات معينة مجبرة أن تسير بها وليس لها الحرية أن تتصرف بشكل أخر غير الذى وجدت عليه وإلا سيخرب الكون فهذا هو القضاء الاجبارى”.

ويقول مفكر مسيحى آخر: “ان المسيحيه لا تؤمن بالقضاء والقدر هذا فكر اسلامي ولكن ان كل شيئ خاضع لسلطان الهنا الحي فنحن نؤمن بقوة الصلاه واستجابة الرب الذي يفعل اي شيئ لاجل احباؤه فالهنا لا يجبر احد ولا يحكم علي احد ظلم بحجة القدرية ومقولة كل شيئ قضاء وقدر تعبر عن شيئ كريه وهو ان اله الاسلام يقضي ويضع مقادير ولا يبالي ولكن الهنا”.

والناقد البصير والمتفهم لهذا الاعتقاد يرى مدى الجهل الذى وقع فيه الآباء فى هذا المفهوم، فيتضح هذا الخلط الواضح فى فهم هذا الاعتقاد حيث انطلقت وجهاتهم من اعتقاد الظلم البين من جهة الرب فيه! يقول الأب ميخائيل “يؤكد قضاء الله نتيجة لأعمال البشر وحرية ارادتهم فى اختيار أفعالهم. لكن المسيحية ترفض القضاء الاجبارى على الانسان فكرة أن يحكم عليه قبل أن يولد أن يعيش كافراً أو قاتلاً أو زانى فهذا ظلم وعدم معرفة بالله العادل فكيف يكتب عليه أن يعيش كافراً أو قاتلاً أو زانى ويوم الدينونة يحاسب على شئ كتب عليه قبل أن يولد حتى وإن تاب الكافر أو صلى إلى الله فهو مكتوب عليه أن يكون هكذا. تلك المعتقدات ترفضها المسيحية”.

إن الوجهة الإسلامية السوية في القدر تقضى بإن الله سبحانه وتعالى كتب ما علم أنه سيكون ولم يجبر احدا على مصيره وأن القضاء والقدر إذا اجتمعا فى سياق واحد كانا بمعنى واحد. وهذا هو الذى لا يستطيع أن يفهمه هؤلاء مع أن نصوصا كثيرة يحويها الكتاب المقدس تدل على جوانب تدل على أن الإنسان مجبور فيها وأوجه مخير فيها:

“ينزلون بهم القضاء المكتوب” (مزمور 9:149)

“فأمّا أن تغفر خطيئتهم أو تمحوني من كتابك الذي كتبته” (خروج32/32) )

“أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ”  (سفر التثنية، 30: 19)(لمزيد من النصوص انظر: مزمور:22:18 والتثنية 1:11).

فَقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: «أَنْتُمْ شُهُودٌ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ قَدِ اخْتَرْتُمْ لأَنْفُسِكُمُ الرَّبَّ لِتَعْبُدُوهُ». فَقَالُوا: «نَحْنُ شُهُودٌ».( سفر يشوع 24: 22)

وبهذه النصوص لا يسع المسيحيون رفض مبدأ القدر أو القضاء ولكنه الفهم المعوج الذى صرف هؤلاء إلى رفضه أو تأويله تأويلا يضر بمفهومه. والأدلة في القرآن الكريم على القدر بفهم شامل يشيع في القرآن:

قال تعالى: “وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا”  (38:33

وقال تعالى: “لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا”(44:8)،

وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (11:46).

ولقد زخرت السنة المطهرة بالأدلة على الإيمان بالقضاء والقدر، ومنها:

قول النبى صلى الله عليه وسلم: “وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ”، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ”.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: “وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ؛ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ”، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ”، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة.

“إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات ، فيكتب عمله ، وأجله ، ورزقه ، وشقي أم سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخل النار”.

ولو جمعت نصوص الكتاب المقدس لوصلت لهذا الفهم ولكن التفسير الكنسى للنصوص نحا بها منحى يخالف ما عليه مقتضيات التفكير السليم ففى إنجيل متى:

“أليس عصفورًا يباعان بفلس، وواحد منها لا يسقط علي الأرض بدون أبيكم” (متى 10:29).

إن الإسلام بمفهومه الشامل للقدر يعلى من قيمة عمل الخير والتأكيد عليه لذا أخفى الله سبحانه وتعالى المصائر فلا يطلع عليها أحد فيتكل على القدر: 

عن علي بن أبي طالب قال : كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في بقيع الغرقد في جنازة ، فقال : ” ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ” . فقالوا : يا رسول الله ، أفلا نتكل ؟ فقال : “اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له ” . قال : ثم قرأ : ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ) إلى قوله : ( للعسرى ) .

والأفعال يخلقها الله سبحانه وتعالى والناس مختارون لها وتقع بإرادته ومشيئته، قال البيهقي: “ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان، والناس خالقي الأفعال، لكان خلق الناس أكثر من خلقه، ولكانوا أتم قوة منه، وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه، ولأن الله تعالى قال: “والله خلقكم وما تعملون” فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل”.


المراجع:

علم اللاهوت، الاب ميخائيل مينا.

كتب السنة النبوية وشروحها

الاعتقاد للبيهقي

روابط شقيقة:

12345
Loading...

اترك تعليقا


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.