الفرق بين القرآن وأهم كتب الديانات الحالية

اليهودية والمسيحية والإسلام: أصول أسمائها ورسالاتها

اليهودية والمسيحية والإسلام: أصول أسمائها ورسالاتها

لا يوجد ديانة اسمها “اليهودية” في العهد القديم ولا يوجد ديانة اسمها “المسيحية” في العهد الجديد

اليهودية والمسيحية والإسلام ثلاثة أسماء لثلاث رسالات سماوية متعاقبة تاريخيا. وكثيرا ما نجد المعتدلين من أتباع هذه الرسالات يحاولون تقريب المسافات وسد الفجوة بين هذه الرسالات عن طريق البحث عن مشتركات بين هذه الرسالات السماوية. وغالبا ما ينجح هؤلاء المعتدلون في إيجاد الكثير من المشتركات بين هذه الرسالات بالفعل.

وفي الحقيقة، إذا قورنت الاختلافات بالمشتركات بين هذه الرسالات، لوجدنا أن المشتركات أكثر بكثير جدا من الاختلافات وأن الاختلافات بين هذه الرسالات قليلة جدا حتى أنها قد تعد على أصابع اليد. فعلى سبيل المثال، تدعو هذه الرسالات السماوية الثلاث إلى التوحيد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتحل الطيبات وتحرم الخبائث. ولذلك، لا يجد المتخصص صعوبة في إيجاد أدلة من هذه الرسالات على الأمر بمعروف ما أو النهي عن منكر ما.

ولما كانت هذه الرسالات كذلك، نجد المعتدلين من أتباعها يرددون ويطنبون في المشتركات بينها. ولكن قلما يجيب أحد منهم على السؤال البديهي التالي: لماذا الاختلاف بين هذه الرسالات أصلا؟ فعلا، إذا كانت هذه الرسالات تدعو إلى إله واحد وتعاليم واحدة وإذا كان مصدرها واحد فلماذا الاختلاف بينها؟

ولأنه قلما يُعنى أحد بمناقشة وتحليل الاختلافات بين الرسالات السماوية بل ينصرف الجميع إلى المشتركات والمتشابهات من قبيل الاعتدال والتقارب، رأيت أن أطرق هذا الباب وأبحث في الفروق الظاهرية بين هذه الرسالات.

ولنبدأ باليهودية، وهي تدعو إلى التوحيد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ولكن لماذا “اليهودية”؟ بمعنى لماذا سميت باليهودية؟ ومن سماها كذلك؟

من الغريب جدا أن كلمة “اليهودية” كاسم ديانة غير موجود في العهد القديم، فلم يطلق الله تعالى ولا النبي موسى على الرسالة التي جاء بها اسم “اليهودية”. وإنما سميت كذلك لأنها أوحيت إلى يهود بني إسرائيل. ومن ثم، سميت باسمهم وإن كانت عقيدتها وشريعتها وتعاليمها تشترك في مجملها ومضمونها مع باقي الرسالات السماوية. ولقد استحدث هذا الاسم “اليهودية” للدلالة على الرسالة التي جاء بها موسى بعد أن مضت سنوات وعقود بل وقرون طوال دون أن يسمع أحد بهذا الاسم كاسم لهذه الرسالة.

ولعل هذا الاسم لم يظهر إلا بعد ظهور المسيحية والإسلام تمييزا لرسالة موسى التي سبقت هاتين الرسالتين لأن اليهود كانوا يعتبرون أنفسهم هم المؤمنين الوحيدين في هذا العالم وأما من سواهم فهم من الأغيار الفجار الكفار. ومن ثم، فإن اليهود لم يطلقوا على رسالتهم السماوية الديانة اليهودية وإنما أطلق هذا الاسم غيرهم تمييزا لهم عن باقي الرسالات السماوية.

ونأتي للمسيحية، ونجد أيضا أن كلمة “المسيحية” كاسم ديانة غير وارد في أناجيل العهد الجديد أصلا. فلا نجد في العهد الجديد ما يشير إلى أن اسم الرسالة التي جاء بها السيد المسيح هو “المسيحية”. ولم يستعمل الله ولا المسيح نفسه هذا الاسم للدلالة على الرسالة التي جاء بها.

ومن العجيب أن “المسيحية” كاسم ديانة اسم حديث غير موجود في جميع الكتب السماوية. ولقد كان أكثر الأسماء شيوعا للدلالة على هذه الرسالة السماوية في زمن النبي محمد هو “النصرانية”، إلا أن أتباع هذه الرسالة في العصر الحديث يرفضون هذا الاسم ويفضلون “المسيحية” اسما لرسالتهم بالرغم من عدم ورود هذا الاسم في الكتب السماوية وعدم استخدامه تاريخيا أصلا.

والأعجب من ذلك، أنه لا يرد أي ذكر للعقيدة المسيحية الحالية في الكتاب المقدس. فأين “الثالوث المقدس” الذي يعبده المسيحيون في الكتاب المقدس؟ وأين عقيدة “التثليث”؟ وهل من المنطقي ألا يذكر المعبود أو المعبودون في الكتاب المنزل من عند هذا المعبود أو المعبودين؟ وهل من المعقول ألا يشار إلى هذه العقيدة صراحة في هذا الكتاب؟

وأين قال السيد المسيح “اعبدوني” أو ما يشار إلى الأمر بعبادته أو حقه في العبادة؟ وأين كيفية عبادة الثالوث المقدس أو السيد المسيح؟

من البديهي جدا أن يشار في أي كتاب منزل إلى الإله المعبود وكيفية عبادته؟ فكيف يخلو العهد الجديد من العقيدة الحالية “التثليث” و”الثالوث المقدس” المطلوب عبادته والأمر بعبادة المسيح وكيفية هذه العبادة؟

والأدهى من ذلك، لا يرد ذكر في الكتاب المقدس لما يسمى بـ”الكتاب المقدس” أو “العهد القديم” أو “العهد الجديد”؟ فمن أين أتت هذه المسميات؟ وكيف نشير إلى رسالات موسى بـ”اليهودية” وعيسى بـ”المسيحية” على أنها أديان منفصلة بالرغم من عدم ورود هذه الأسماء في كتبها أصلا؟

ومن ثم، أصبح من الواضح وضوح الشمس أنه قد استحدث في الرسالات السماوية السابقة للإسلام ما هو ليس منها أصلا. فالعهد القديم الحالي يحوي ما هو من التوارة وما هو من غيرها. والعهد الجديد يحوي ما هو من الإنجيل وما هو من غيره. ودس في العقيدة “المسيحية” ما هو ليس ثابتا حتى بالعهد الجديد نفسه الموجود بين أيدينا الآن.

ومن هنا أتت الاختلافات والتباينات والفروق والتضاربات والتعارضات بين الرسالات السماوية الثلاث. والحقيقة أن هذه الرسالات متحدة العقيدة والتعاليم ولا نجد فيها اختلافا إلا اختلاف بعض الشرائع بين التعسير والتيسير ومراعاة الزمان والمكان.

أما الإسلام، فكلمة “الإسلام” كاسم ديانة وارد في القرآن الكريم أكثر من مرة. فنحن نقرأ:

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (آل عمران 19:3)،

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران 85:3)،

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة 3:5)

وكلمة “الإسلام” كاسم الرسالة السماوية التي جاء بها النبي محمد تخلو من النسبة كما هو الحال بالنسبة لـ”اليهودية” أو “المسيحية”، بمعنى أن اسم هذا الدين غير منسوب إلى جنس أو عرق معين كما أنه ليس منسوبا إلى اسم من جاء به من الأنبياء ولا يتخذه إلها يعبد مع الله على خلاف العقل والفطرة. فكلمة “الإسلام” من قبيل إسلام الوجه لله تعالى وهو معنى سام تشترك فيه جميع الرسالات السماوية الحقيقية وهو متاح لجميع البشر. فلكل إنسان على وجه البسيطة أن يسلم وجهه لله تعالى ويدخل الإسلام بدون قيد أو شرط كالانتساب إلى عرق معين أو اشتراط عبادة إنسان معين. ولا فضل في هذا الدين لعربي على أعجمي إلا بتقوى الله والعمل الصالح.

والكتاب السماوي المنزل بالإسلام هو القرآن الكريم. واسمه وارد في القرآن الكريم مرارا وتكرارا. فنحن نقرأ:

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (البقرة 185:2)،

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء 82:4)

والإله المعبود في الإسلام هو “الله” وحده لا شريك له. ولقد نص القرآن على ذلك أكثر من مرة. فنقرأ في أولى آيات القرآن الكريم في فاتحة الكتاب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الفاتحة 1:1-2)،

كما نقرأ:

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة 62:2)

ولقد أمر الله تعالى بعبادته وحده في القرآن الكريم، فقال:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (البقرة 83:2)،

ونقرأ في القرآن حكاية عن السيد المسيح:

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (آل عمران 51:3)،

كما نقرأ:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران 64:3)

ولقد بين الله تعالى كيفية عبادته في القرآن الكريم وأوضح أن من عبادته الصلاة له وذكره. فنحن نقرأ في القرآن الكريم:

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طه 14:20)

كما بين تعالى أن الصلاة له تكون بالركوع والسجود وأن فعل الخيرات من عبادته.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الحج 77:22)

والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم.

أيها السادة الكرام، إن “الإسلام” الحنيف كاسم ديانة وإن كان اسم الرسالة التي جاء بها النبي محمد قبل نحو أربعة عشر قرنا من الزمان إلا أن هذه الرسالة هي نفس الرسالات السماوية السابقة أيضا من حيث العقائد والتعاليم بل وأغلب الشرائع. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة 136:2)

ولا نبالغ حين نقول أن كلمة “الإسلام” كاسم ديانة استعملت للدلالة على صحيح الرسالات السماوية السابقة وأن كلمة “مسلم” بالإفراد والجمع قد استعملت أيضا للدلالة على أتباع صحيح الرسالات السماوية السابقة. ولقد أثبت ذلك المنصفون من علماء الرسالات السماوية السابقة، كما ثبت بنص القرآن الكريم.

فنقرأ في القرآن الكريم:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة 2 :127-133)

ولا عجب، فرسالة الإسلام الحالية هي الامتداد الحديث لدين الله الصحيح في كل زمان ومكان، ولا فرق بين ما جاء به الإسلام وغيره من الرسالات السماوية السابقة إلا أن شريعته ورد بها من التيسير والتسهيل والتبسيط ما لم يرد بغيرها من الشرائع السابقة.

وأخيرا، صدق الله تعالى إذ يقول:

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (آل عمران 19:3)،

فالإسلام كرسالة وعقيدة وتعاليم هو دين الله الوحيد في كل زمان ومكان، والإسلام هو اسم دين الله الوحيد وفقا لجميع الكتب المقدسة. فالله تعالى لم يسم دينه “اليهودية” ولا “المسيحية” حتى في كتب اليهودية والمسيحية نفسها.

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- مقاطع فيديو مختلفة للشيخ أحمد ديدات

مواضيع ذات صلة