هل يسوع هو الله؟

هل النبي محمد خير خلق الله؟

هل النبي محمد خير خلق الله؟

النبي محمد

الأنبياء خيرة الله في خلقه والنبي محمد خيرهم دون أن ينتقص ذلك من قدرهم شيئا

مما لا شك فيه أنه كما أن هناك ما يتساوى فيه البشر هناك أيضا ما يتفاضلون فيه. فللبشر درجات ومقامات مختلفة ومتفاوتة شأنهم في ذلك شأن كل نوع وكل جنس في هذا الوجود. وإن خيرة الله تعالى في خلقه هم أنبياؤه ورسله عليهم السلام. وهم وإن كانوا يتساوون في النبوة والرسالة وبلاغ هذه الرسالة، إلا أنهم يتفاضلون فيما دون النبوة والرسالة من حيث ما خصهم الله تعالى به من الخصائص والفضائل. يقول الله تعالى:

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ (البقرة 253:2)

ومعلوم أن الله تعالى خص عددا من الأنبياء والمرسلين بخصائص لم يخص غيرهم بها. فعلى سبيل المثال، فضل الله تعالى سيدنا داود عليه السلام بأن جعل الجبال والطير تأوب معه وألان له الحديد فكان لا يحتاج إلى أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط. يقول الله تعالى:

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سبأ 34 :10-11)

وفضل الله تعالى سيدنا سليمان عليه السلام بتعليمه منطق الطير. يقول الله تعالى:

وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل 16:27)

كما فضل الله سيدنا سليمان عليه السلام بتسخير الريح والجن له. يقول الله تعالى:

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (سبأ 12:34)

وفضل الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام على سائر الأنبياء بكلامه تعالى إليه. يقول الله تعالى:

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (النساء 164:4)

وفضل سيدنا عيسى عليه السلام بتأييده بروح القدس وتكليم الناس في المهد وتعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وخلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى وإنزال مائدة عليه من السماء:

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (المائدة 110:5)

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (المائدة 114:5-115)

وهكذا، فضل الله تعالى عددا من الأنبياء بخصائص لم يخص بها غيرهم. ولكن من هو الأفضل؟ ومن هو خير الأنبياء والمرسلين؟

إن الإسلام لم يتناول هذا الموضوع تناولا واضحا نظرا لحساسيته المفرطة، على الرغم من أنه جرت العادة في كل دين أو رسالة سماوية أن يتم إطراء نبي هذا الدين أو تأليهه مع الله أو حتى عبادته من دون الله. وإن هذا مما يدل على أن الإسلام هو الدين الحق إذ أننا لا نجد في الكتاب ولا في السنة إطراء للنبي محمد على نحو ما جرت به العادة في الديانات والرسالات السماوية الأخرى.

وإنما نجد في الكتاب والسنة عدلا وإنصافا تجاه كافة الأنبياء والمرسلين وبيانا لفضل كل منهم إلى جانب فضل النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فالمسلم مأمور بالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين ومنهي عن التفريق بينهم بمعنى النهي عن الإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم الآخر أو الانتقاص من قدر بعضهم. يقول الله تعالى:

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة 136:2)

ويقول تعالى:

آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (البقرة 285:2)

كما يقول تعالى:

قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (آل عمران 84:3)

ويقول الله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (النساء 4 :150-152)

ومع ذلك، اقتضى واجب البلاغ من النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ أمته بفضله هو، كما بلغها بفضل إخوانه من الأنبياء والمرسلين. ففضله صلى الله عليه وسلم جزء من رسالته، فقد أمر صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالته كاملة إلى أمته يقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة 67:5)

كما أمر صلى الله عليه وسلم بالتحديث بنعمة الله وفضله عليه. يقول الله تعالى:

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (الضحى 11:93)

وهكذا، نجد فضل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثابتا بنصوص الكتاب والسنة. ففي القرآن الكريم، وردت آيات كثيرة بفضله صلى الله عليه وسلم. فعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى:

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (الأحزاب 56:33)

ويقول تعالى:

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (الشرح 4:94)

كما يقول تعالى:

وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم 68 :3-4)

ويقول الله تعالى:

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (الإسراء 79:17)

ولقد وردت أحاديث كثيرة عن فضله صلى الله عليه وسلم. فعن واثلة بن الأسقع رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل. واصطفى من ولد اسماعيل بنى كنانة. واصطفى من بنى كنانة قريشا. واصطفى من قريش بنى هاشم. واصطفانى من بنى هاشم” (رواه مسلم)

وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة” (رواه البخاري في صحيحه)

وفي راوية مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: “فضلت على الأنبياء بستٍ، أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون”

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع” (رواه مسلم)

وعن ابن عمر رضي الله عنهما إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا – أي جالسين على ركبهم -، كل أمة تتبع نبيها، يقولون يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود (رواه البخاري في صحيحه)

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك” (رواه مسلم)

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة” (رواه مسلم)

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد” (رواه مسلم)

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم. فيأتون آدم -عليه السلام- فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات- فذكرهن أبو حيان في الحديث- نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنبا- نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فيأتون محمدا، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فانطلق فأتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب. فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. -ثم قال- والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى”. (رواه البخاري في صحيحه)

مما سبق يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم خير خلق الله قاطبة وأنه أشرف الأنبياء والمرسلين. ولا أدل على ذلك من صلاته صلى الله عليه وسلم بجميع الأنبياء والمرسلين ببيت المقدس في رحلة الإسراء والمعراج.

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط قال فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذاموسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه فحانت الصلاة فأممتهم…” (رواه مسلم)

وكما أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد فضل وخص ببعض الخصائص والفضائل، فقد حباه الله تعالى بخصائص وفضائل تشبه تلك التي خص الله تعالى بها غيره من الأنبياء والمرسلين. فالناظر في سيرته صلى الله عليه وسلم يجد أن الله تعالى قد أنعم عليه بعدد غير محدود من الخصائص والفضائل المختلفة والمتنوعة في حين أننا نجد أن غيره من الأنبياء والمرسلين لم يفضلوا إلا بعدد محدود من الخصائص والفضائل المتشاكلة المتجانسة.

فكما أن الجبال والطير كانت تأوب مع سيدنا داود، فقد سبح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم. فعن أبي ذر قال: كُنْتُ رَجُلا أَتَتَبَّعُ خَلَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا جَالِسًا وَحْدَهُ ، فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ… وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعُ حَصَيَاتٍ ، أَوْ قَالَ : تِسْعُ حَصَيَاتٍ ، فَأَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي كَفِّهِ ، فَسَبَّحْنَ حَتَّى سَمِعْتَ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرَسْنَ (رواه البيهقي)

وقد كان الطعام يسبح الله والنبي محمد يأكله. فعن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (رواه البخاري في صحيحه)

وقد حنَّ الجذع إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فعن جابر – رضي الله عنه – قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد ، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه، صاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر) . رواه البخاري في صحيحه)

وكما أن سيدنا سليمان علم منطق الطير، كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يفهم لغة الحيوان. فقد أخبرته الشاة بأنها مسمومة بعدما أهدتها له امرأة يهودية. فلقد أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية قد سمتها، وسألت: أي اللحم أحب إليه؟ فقالوا: الذراع. فأكثرت من السم في الذراع، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع بأنه مسموم، فلفظ الأكلة ثم قال: “اجمعوا لي من ها هنا من اليهود. فجمعوا له، فقال لهم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي فيه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم…قال: أجعلتم في هذه الشاة سماً؟ قالوا: نعم. قال: فما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضر (رواه البخاري وأحمد والدارمي)

وكما أن الريح والجن قد سخرت لسيدنا سليمان عليه السلام، سخرت الريح والجن بل ومن هم أفضل من الجن وهم الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. فقد سخرت الريح والملائكة للنبي محمد يوم الأحزاب. ويقول القرآن الكريم عن ذلك:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (الأحزاب 9:33)

وقد نصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصبا وهي الريح. فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. (رواه البخاري في صحيحه)

جدير بالذكر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث إلى الإنس والجن على حد سواء. يقول الله تعالى في هذا الصدد:

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (الأحقاف 29:46)

كما يقول تعالى:

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (الجن 1:72)

وكما كلم الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام، كلم محمداً صلى الله عليه وسلم أيضا. وعن ذلك يقول الله تعالى:

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (النجم 53 :1-18)

وكما أيد سيدنا عيسى عليه السلام بروح القدس، أيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بروح القدس أيضا. فلقد كان روح القدس يؤيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويتنزل عليه بالوحي. وعن ذلك، يقول الله تعالى:

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل 102:16)

وكما عُلّم سيدنا عيسى عليه السلام الكتاب والحكمة، علم الله النبي محمد الكتاب والحكمة وبعثه لكي يعلمهما للناس أيضا. وعن ذلك يقول الله تعالى:

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (آل عمران 164:3)

وكما فضل سيدنا عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص، خص النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإبراء المرضى أيضا. ومن ذلك رد عين الصحابي قتادة. قال ابن إسحاق-رحمه الله: “وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رمى عن قوسه حتى اندقت سِيَتُها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ردّها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدّهما”.

ومنها مَسحه -صلى الله عليه وسلم- على رِجْل عبد الله بن عتيك -رضي الله عنه- لمّا انكسرت ساقه في قصة قتل ابن أبي الحقيق اليهودي، وفيه، فقال لي: “ابسط رجلك” فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم اشتكها قط” (رواه البخاري في صحيحه)

ومنها ما جرى لعلي -رضي الله عنه- يوم خيبر، وكان يشتكي عينيه “فجئ به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سأل عنه فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع”. (رواه البخاري في صحيحه)

ومنها ما جرى لسلمة بن الأكوع – رضي الله عنه- حين أُصيبت ركبته يوم خيبر، قال: “فأتيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- فنفث فيه (أي في موضع الإصابة) ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة ” (أخرجه البخاري)

وعلى الرغم من كل ما سبق من خصائص وفضائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد نهى عن تفضيله على الأنبياء والمرسلين وتخييره عنهم بصورة تنتقص من قدرهم أو تنطوي على المفاخرة والمباهاة المنهي عنهما أو تؤدي إلى تنفير غير المسلمين من الإسلام.

فعن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله”. (رواه البخاري في صحيحه)

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه، وقال: يا محمد إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم في وجهي، قال: ادعوه، فدعوه، قال: لم لطمت وجهه، قال: يا رسول الله إني مررت باليهود فسمعته يقول والذي اصطفى موسى على البشر فقلت وعلى محمد، وأخذتني غضبة فلطمته، قال: لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جزي بصعقة الطور المن والسلوى (رواه البخاري في صحيحه)

وعَنْ عَيَّاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَفْخُر أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ” (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)

وأخيرا، وعلى الرغم مما تثبته الأدلة السابقة من أفضلية النبي محمد، إلا أن هذا الأمر ليس من أصول الدين ولا من أركان الإسلام ولا معتقداته الرئيسة التي لا يصح إيمان المرء إلا بها. ولذلك، لا نجد نصا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة يلزم المسلمين بالإيمان بأن النبي محمد هو خير خلق الله أو يرتب وعيدا أو تهديدا على عدم الإيمان بذلك، كما أنه لم يؤثر عن النبي أنه قد أمر بالإيمان بأنه خير خلق الله أو توعد من لم يؤمن بذلك بسوء العاقبة في الدنيا أو الآخرة.

ومن ثم، فالإيمان بأفضلية النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمر متروك لحس المؤمن وتذوقه الإيماني ومشربه الروحي وليس أصلا من أصول الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به كما أسلفنا. وعليه، فنحن المسلمون لا نحمل غير المسلمين على الإيمان بذلك، وإنما ندعو غيرنا للتعرف على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وذلك بقراءة سيرته وتدارسها. ومتى تجرد الدارس لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من انحيازاته وأهوائه، تبين له بما لا يدع مجالا للشك أنه خير خلق الله كلهم.

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- صحيح البخاري

3- صحيح مسلم

4- السيرة النبوية لابن إسحاق

12345
Loading...

اترك تعليقا