حقوق المرأة وأحكام الزواج بين المسيحية والإسلام

حرية اختيار الزوج والطلاق

حرية اختيار الزوج

مما لا شك فيه أن المسيحية تفرض قيودا شديدة على حرية المرأة في اختيار شريك حياتها

إعداد فريق التحرير

في الواقع، من أهم الحريات التي يحتاجها المرء في حياته للشعور بالسعادة في هذه الحياة هي حرية اختيار شريك الحياة نظرا للعلاقة الوثيقة التي تربطه بهذا الشريك وارتباط مصيره به. ولقد تباين تعاطي الرسالات السماوية مع هذه الحرية بين التقييد والإطلاق. لذا، لنبحث كيف تعاملت المسيحية والإسلام مع هذه الحرية.

حرية اختيار الزوج والطلاق

مما لا شك فيه أن المسيحية تفرض قيودا شديدة على حرية المرأة في اختيار شريك حياتها، ويتمثل ذلك في تحريم طلاقها من زوجها مهما كانت الأسباب الداعية للانفصال وكذلك إجبارها على الزواج من أخي زوجها إذا توفي زوجها اتباعا للشريعة الموسوية وإجبارها على الزواج من مغتصبها وذلك بقصر اختياراتها إما على الزواج منه أو الرضا بمهر المثل فحسب، بدلا من فرض عقوبة صارمة تحمي الفتيات وتردع الرجال عن اغتصابهن.

لنستعرض هذه الأحكام المجحفة بالمرأة حكماً حكماً كما وردت بالكتاب المقدس. ونبدأ بتحريم الطلاق في المسيحية، حيث يحكي العهد الجديد عن السيد المسيح قوله: “وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي”. (متى 5 :31-32)

ويحكي لنا العهد الجديد الموقف التالي بين اليهود والسيد المسيح: وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ:«هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». قَالُوا لَهُ:«فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟» قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي». (متى 19 :3-9)

كما يحكي لنا العهد الجديد هذا الحوار بين السيد المسيح وحوارييه: وَلكِنْ مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ. مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ». ثُمَّ فِي الْبَيْتِ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا. وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي». (مرقس 10 :6-12)

وعن وجوب زواج الأرملة من أخي زوجها، يقول الكتاب المقدس: “إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، فَلاَ تَصِرِ امْرَأَةُ الْمَيْتِ إِلَى خَارِجٍ لِرَجُل أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، وَيَقُومُ لَهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ” (التثنية 5:25)

ونلاحظ أن الكتاب المقدس يعتبر المرأة جزء من إرث الزوج المتوفى يرثه أخو الزوج ما لم يتخل عنه بمحض إرادته وليس للمرأة في اختيار شريك حياتها المُقبل أي خيار.

ونأتي الآن إلى الزواج الذي تفرضه الشريعة الموسوية على المغتصبة من مغتصبها وذلك بقصر خياراتها بين الزواج منه أو قبول المهر منه. ولا ندري هل زواج المغتصَبة من مغتصِبها عقوبة له أم لها؟ فهل القصاص للمغتصبة ومعاقبة مغتصبها يكون بفرضه عليها كزوج أو بمجرد قبول مهر المثل منه؟ إن هذا تشجيع للرجال على اغتصاب الفتيات، فأين العقوبة؟ هل العقوبة هي فرض الجاني على المجني عليها ليظل زوجها مدى الحياة أو الرضا بمهر المثل فحسب؟ فهل العقوبة إذا للجاني أم المجني عليها؟

يقول الكتاب المقدس في هذا الصدد: “إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ، فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَوُجِدَا. يُعْطِي الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَتَكُونُ هِيَ لَهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلَّهَا. لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ” (التثنية 22 :28-29)

“وَإِذَا رَاوَدَ رَجُلٌ عَذْرَاءَ لَمْ تُخْطَبْ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا يَمْهُرُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً. إِنْ أَبَى أَبُوهَا أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا، يَزِنُ لَهُ فِضَّةً كَمَهْرِ الْعَذَارَى” (الخروج 22 :16-17)

أما الإسلام، فيكفل للمرأة مطلق الحرية في اختيار شريك حياتها في جميع الأوقات. فللفتاة العذراء الحق في اختيار شريك حياتها. ففي الصحيحين والمسند عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تنكح الأيم (الثيب) حتى تستأمر. ولا تنكـح البكر حتى تستأذن. قـالوا يا رسـول الله: وكيف إذنها (البكر). قال: أن تسكت”. (رواه البخاري ومسلم)

وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جارية بكراً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم.

وللمرأة المسلمة الحق في الطلاق إذا تعذرت العشرة بالمعروف وذلك بالتراضي بينها وبين زوجها مع الاحتفاظ بكافة حقوقها المشروعة التي كفلها الإسلام. وإذا كانت المرأة لا تعيب على زوجها خلقا ولا دينا ولكنها تكره عشرته، فلها أن تخالعه، أي تنفصل عنه مع التنازل عن بعض حقوقها. يقول الله تعالى في هذا الشأن:

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة 229:2)

وفي صحيح البخاري عن عِكرمة عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس قالت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “يا رسول الله، زوجي ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلُق ولا دِين، ولكن أكره الكفْر في الإسلام – أي: أكره عدم الوفاء بحقِّه لبغضي له – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “أتردِّين عليه حديقته”، وهي المهر الذي أمهَرَها، فقالت: نعم، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لثابت: “اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة”.

وإذا طلقت المرأة المسلمة من زوجها، يحق لها الزواج ممن شاءت. يقول الله تعالى:

وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (النساء 130:4)

وهكذا، فإن للمرأة المسلمة أن تختار شريك حياتها كما تشاء دون أن يفرض عليها رجل بعينه سواء كانت بكرا أو ثيبا وسواء كان هذا الرجل أخا زوجها المتوفى أو مغتصبها كما هو الحال في اليهودية والمسيحية أو غيرهما.

ومن ثم، فالإسلام يعطي للمرأة مطلق الحرية في اختيار شريك حياتها ما لم يكن من المعلوم سلفا استحالة العشرة بالمعروف معه كما هو الحال مع المحرَّمين عليها من الرجال أو الرجل غير المسلم أو الزوج السابق الذي طلقها ثلاثا، وحتى في الحالة الأخيرة يجوز للمرأة معاودة الزواج من زوجها إذا تزوجت من غيره وانتهى زواجها الثاني بالانفصال عن الزوج الثاني أو وفاته. وفي ذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ … فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (البقرة 2 :229-230)

ومرة أخرى، يحرم الكتاب المقدس على الزوج السابق الزواج من مطلقته على اعتبار أنها قد تنجست بالزواج من غيره وأن ذلك رجس لدى الرب. فنحن نقرأ: “إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، وَمَتَى خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ لِرَجُل آخَرَ، فَإِنْ أَبْغَضَهَا الرَّجُلُ الأَخِيرُ وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ الأَخِيرُ الَّذِي اتَّخَذَهَا لَهُ زَوْجَةً، لاَ يَقْدِرُ زَوْجُهَا الأَوَّلُ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَعُودَ يَأْخُذُهَا لِتَصِيرَ لَهُ زَوْجَةً بَعْدَ أَنْ تَنَجَّسَتْ. لأَنَّ ذلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ” (التثنية 24 :1-4)

وفي النهاية، لا يسعنا في هذا المقال إلا أن نقول: ما أحلى سعة الإسلام وما أقبح ضيق ما سواه من العقائد الباطلة والمعتقدات الفاسدة.

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- صحيح البخاري

3- صحيح مسلم

4- الكتاب المقدس

5- موقع الأنبا تكلا

 

اقرأ أيضا:

حقوق المرأة وأحكام الزواج بين المسيحية والإسلام (بين الزواج والتبتل والحق في الزواج)

حقوق المرأة وأحكام الزواج بين المسيحية والإسلام (تعدد الزوجات)

دليلك الشامل للتعرف على مكانة المرأة في الإسلام والمسيحية

معجم أهم أحوال المرأة في الكتاب المقدس ونظائرها في القرآن الكريم

12345
Loading...

تعليق واحد على الموضوع “حقوق المرأة وأحكام الزواج بين المسيحية والإسلام

isslam el gareh

يقول تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59].

اترك تعليقا


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.