الديمقراطية بين الإسلام والمسيحية (2/2)

الديمقراطية في الإسلام

أولا: الشورى

الديمقراطية

شرع الإسلام الشورى، وما الشورى من الديمقراطية ببعيد، إلا أنها ديمقراطية أكثر تنظيما وأكثر رشدا

على الرغم من أن الإسلام يأمر بطاعة أولي الأمر شأنه في ذلك شأن المسيحية إلا أنه لم يأمر بالانعزال والسلبية السياسية، وإنما يوصي الحكام بالشورى ويوصي المحكومين بالنصح لهم وقول الحق والعدل عندهم.

فعن وجوب الشورى والتشاور على الحكام، يقول الله تعالى:

وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران 159:2)

ولقد ذكر المفسرون أن الشورى كانت واجبة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه فيما لم يرد فيه وحي ناهيك عن وجوبها على أئمة المسلمين من بعده صلى الله عليه وسلم.

ولقد أثنى الله تعالى في القرآن الكريم على المؤمنين للزومهم الشورى في جميع أمورهم، يقول الله تعالى:

وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى 42:38)

ولقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم القدوة والمثل في تطبيق مبدأ الشورى. فعن أبي هريرة قال: “ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم” (رواه الإمام أحمد)

ولم تقتصر الشورى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم على مجرد الاستماع إلى آراء أصحابه رضوان الله عليهم مع إمضائه لرأيه في نهاية المطاف ككثير من الناس، ولكنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان ينزل على رأي أصحابه في الأمور التي لم يرد بها وحي من السماء. والأمثلة على ذلك كثيرة في السيرة النبوية العطرة.

ومن ذلك نزول النبي محمد صلى الله عليه وسلم على رأي الحباب بن المنذر بن الجموح بتغيير الموقع الذي اختاره النبي لجيش المسلمين لخوض غزوة بدر إلى موقع آخر قريب من آبار المياه.

ومن ذلك أيضا مشاورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه في مصير أسرى بدر من مشركي قريش، ونزوله صلى الله عليه وسلم على رأي أبي بكر الصديق بقبول الفدية وإعراضه عن رأي عمر بن الخطاب بقتل هؤلاء الأسرى.

وكما أوصى الإسلام الحكام بالتشاور، أوصى المحكومين بإسداء النصيحة. فالإيجابية والاهتمام بأمر المسلمين فرائض لا تسقط بفقد إحدى الحواس أو القدرات أو الإمكانيات أو المؤن، وتظل النصيحة فرضا على من عجز عن المشاركة بأكثر من ذلك. يقول الله تعالى عن أصحاب الأعذار والمتخلفين عن الغزو:

لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة 91:9)

وعن تميم بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” الدين النصيحة” قلنا: “لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (رواه البخاري ومسلم)

والنصيحة في الحديث السابق لفظ عام للكلمة الطيبة تقال لكل ما ورد ذكره في الحديث، فطيب الكلام مطلوب لله عز وجل وعنه وفي سبيله، ومطلوب لكتابه تعالى بتلاوته وعنه ومطلوب لرسوله وعنه ومطلوب لأئمة المسلمين وعامتهم أيضا.

ولقد أوصى الإسلام بقول الحق والعدل عند الحكام لاسيما الجائرين منهم، واعتبره من أعظم الجهاد، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ (وفي رواية كلمة حق) عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ”. (رواه الترمذي)

ولقد أباح الإسلام مخالفة إمام المسلمين ومراجعته إذا أمر بمنكر أو نهى عن معروف، فعن نافع عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” (رواه البخاري)

وليس في ذلك تناقض مع الأمر بطاعة أئمة المسلمين حتى وإن كانوا ظالمين جائرين، وإنما المراد أن على المحكوم أن يراجع إمامه إذا رأى منه أمرا بمنكر أو نهي عن معروف متى استطاع إلى ذلك سبيلا دون الخروج عليه، فإذا عجز المحكوم عن مراجعة حاكمه الجائر، فعليه اجتناب طاعته في المنكر والمعصية، وطاعته فيما دون ذلك، وذلك كله في غير خروج كامل عن الحاكم أو شق عصا الطاعة بالكلية.

وهكذا فإن الإسلام لا يقر الديكتاتورية ولا الاستبداد ولا الاستعباد ولا الخنوع ولا الاستكانة ولا السلبية على نحو ما تأمر به المسيحية، وإنما جعل أمر المسلمين شورى بينهم وفقا للتعبير القرآني، أي حوار بين حاكم متفتح ومحكوم إيجابي، كما أمر بالتصدي الفكري السلمي لانحراف الحاكم بقول الحق والعدل عنده دون خروج أو فوضى أو غوغائية.

ثانيا: الفرق بين الشورى والديمقراطية

إن الإسلام دين منفتح لا يمنع من التسلح بالعلم الدنيوي أو الأخذ بأسباب الحداثة والتطور والتقدم. فعن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ” (رواه مسلم)

فلا مانع من الأخذ بالجديد والحديث في أمور الدنيا إذا كان مفيدا. والشواهد على ذلك كثيرة في التاريخ الإسلامي منذ عهد النبوة وحتى يومنا هذا. فقد اشتهر في كتب السيرة النبوية أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما سمع بقّدوم الأحزاب لغزو المدينة، شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بقوله: “إِنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بحفر الخندق حول المدينة ..”.

والشاهد أن الخندق لم يكن تكتيكا عسكريا متبعا لدى العرب ولكنه كان أمرا جديدا عليهم وافدا إليهم من بلاد فارس ولكن أقره النبي صلى الله عليه وسلم. وكثيرا ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من بعده وسلفنا الصالح بكل جديد وحديث في أمور الدنيا ما لم يكن فيه مخالفة لشرائع الإسلام.

أما الديمقراطية، فهي أمر ليس بالجديد وإنما هي نظام سابق للإسلام جرى عليه العمل في بعض بلاد اليونان القديمة، والإسلام لا يرفضها بالكلية ولا يقبلها بالكلية، لأن فيها ما هو حق وما هو باطل، ولقد شرع الإسلام الشورى، وما الشورى من الديمقراطية ببعيد، إلا أنها ديمقراطية أكثر تنظيما ومرونة من النواحي الدنيوية وأكثر سدادا ورشدا من النواحي الروحية والأخلاقية نظرا لاهتدائها بهدي السماء.

فهناك فرق كبير بين عشوائية الديمقراطية وسلاسة الشورى وانتظامها. فالديمقراطية تعتمد من الألف إلى الياء على العنصر البشري أي هوى الإنسان وعقله القاصر أما الشورى فهي اجتهاد بشري يسترشد بالوحي السماوي. فالتدخل البشري في الشورى ليس بالكبير لأن هذا التدخل ما هو إلا محاولة للتعامل مع الواقع اهتداء بوحي السماء، بخلاف الديمقراطية التي تعتمد في المقام الأول على رأي الإنسان. فليس للديمقراطية ثوابت، أما الشورى فهي تقوم أساسا على ثوابت وضعها الوحي السماوي.

والديمقراطية تقوم على رأي من يعلم ومن لا يعلم، ففيها رجوع واستناد إلى رأي العامة والغوغاء سواء بشكل مباشر في صورة انتخابات أو استفتاءات أو بالتمثيل في صورة المجالس النيابية. أما الشورى فهي تقوم على رأي من يعلم فقط، فهي تستند لرأي أهل الخبرة والعلم والمعرفة والاختصاص “أهل الحل والعقد”، ولا مجال فيها للعامة والغوغاء.

والآن، وبعد كلٍ، مما لا شك فيه أن الإسلام وما شرعه لنا من القوانين فيه دائما الوسطية والاعتدال في الأمور كلها بلا إفراط ولا تفريط، فالإسلام لا يشرع العزلة والسلبية والاستكانة مثل المسيحية كما أنه لا يبيح غوغائية الرأي ولا عشوائية الفكر كما في الديمقراطية المزعومة وإنما شرع الشورى التي تجمع بين وحي السماء وواقع الأرض في توازن لا مثيل له بين حق الحاكم وحق المحكوم، فمن حق المحكوم أن يعبر عن رأيه وأن يسمعه الحاكم ويأخذ به إذا وجد فيه خيرا ومن حق المحكوم كذلك مراجعة الحاكم إذا حاد عن الصراط المستقيم، ومن حق الحاكم على المحكوم إخلاص النصيحة له وطاعته في غير معصية، وذلك كله دون سلبية المسيحية أو همجية الديمقراطية.

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2-تفسير القرآن العظيم لابن كثير

3- صحيح البخاري

4- صحيح مسلم

5- السيرة النبوية لابن هشام

_________

اقرأ أيضا:

الديمقراطية بين الإسلام والمسيحية (2/1)

12345
Loading...

اترك تعليقا


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.